في ميلاد القائد… حين يُنجب المجدُ مجدَه

ا

 

اللواء الركن المتقاعد عدنان أحمد الرقاد

مدير عام المؤسسة الاقتصادية والاجتماعية للمتقاعدين العسكريين والمحاربين القدماء

مع حلول الثلاثين من كانون الثاني، يقف الأردنيون أمام سيرة قائدٍ كُتبت بالثبات وخُطّت بالحكمة ، يوم ميلادُ جلالةِ الملكِ عبدِ اللهِ الثاني ابنِ الحسين المعظَّم، فهو امتدادُ سلالة هاشميّة جذورها ضاربة ، ومنبثقةٍ من نور النبوّة، ومُؤتمنة على شرف الوصاية، وحارسةٍ لبوّابة التاريخ وضمير الأمّة.

نحتفي بميلاد نهجٍ في القيادة، يقوم على الاتّزان حين تضطرب الموازين، وعلى الحكمة حين تعلو أصوات الانفعال، وعلى الثبات حين تتكاثر الضغوط وتتبدّل الرياح، نهجٍ أثبت خلال ثلاثة عقودٍ من القيادة أنّ حمل الأمانة ليس امتيازاً بل تكليفاً، وأنّ القائد الحقّ هو من يقود الدولة بعقل الجندي وحكمة رجل الدولة في آنٍ واحد.

لقد قاد جلالة الملك الدولة وسط إقليمٍ ملتهب، وجعل من الأردنّ واحةَ استقرارٍ، ومن الموقف الأردني عنواناً للعقلانيّة والأعتدال، لا يُساوم على الثوابت ولا يُفرّط بالحقوق ولا يُقايض المبادئ بحسابات المصالح ، فكان وما يزال صوتَ الحقّ ، وركيزةَ الاعتدال في محيطٍ تتلاطم فيه أمواج التطرّف والصراع، وفي القلب من هذا المشهد، ظلّت القضيّة الفلسطينيّة حاضرةً في وجدان الملك وموقفه، قضيّةَ حقٍّ وعدالةٍ لا تقبل النسيان ولا التجزئة، فحمل جلالته لواءها في عواصم القرار، ودافع عنها بثباتٍ وشجاعة، مستنداً إلى شرعيّة التاريخ والوصاية الهاشميّة على المقدّسات، وإلى إيمانٍ راسخ بأنّ القدس ليست هويّةٌ ورسالةٌ وأمانة فقط .

وعلى الصعيد الداخلي، بقي جلالة الملك قريباً من نبض الناس، يقرأ همومهم بعين القائد، ويصغي لتطلّعاتهم بعقل الدولة، مؤمناً بأنّ الإنسان الأردني هو الثروة الحقيقيّة، وأنّ بناء المستقبل يبدأ من تمكين المواطن وتحصين المؤسّسات وترسيخ سيادة القانون وإعلاء قيمة العمل وربط الإنجاز بالمسؤوليّة. وفي ميادين الشرف، كان الجيش العربي والأجهزة الأمنيّة موضع ثقته واعتزازه، وحملوا معه رسالة الوطن ، يحرسون الحدود ويصونون الأمن ويكتبون بدمائهم الطاهرة فصول العزّة والكرامة.

ولأنّ الوفاءَ عند الهاشميّين خُلُقُ دولة ونهجُ قيادة ، فما زال المتقاعدون العسكريّون في قلب وجدان جلالة الملك، حاضرين حضورَ السيف في غمده، لا يُشهَر إلّا حين تدعو الضرورة ولا يُنسى مهما طال الزمان، فهم الذين أدّوا القسم ذات يوم وما زال القسم يسري في عروقهم، فبقوا جنوداً بالروح، حُرّاساً بالقيم، وأوفياءَ بالوجدان، نظر إليهم جلالته بعين القائد الذي يعرف رجاله ويقرأ ملامحهم كما تُقرأ الرايات في ساحات الشرف، ومن هنا جاء اهتمامه بالمتقاعدين العسكريّين امتداداً طبيعيّاً لعقيدة الوفاء، رعايةً تصون الكرامة ، وحضوراً دائماً يؤكّد أنّهم ليسوا ماضياً يُروى بل حاضراً ومستقبلاً يُعوَّل عليه، فهم الرديف حين تُثقل الأعباء والسند حين تشتدّ الخطوب وذخيرة الوطن الصامتة التي لا تطرق الأبواب لكنها تقف خلفها جاهزةً إذا نادى الوطن ، وهكذا أرادهم جلالته وهكذا بقوا رجال دولة وفرسان موقف وإن آثروا الصمت إلا أنهم يحملون الأردنّ في صدورهم كما حملوه يوماً على أكتافهم.

وفي هذه المناسبة الوطنيّة العزيزة، يتقدّم المتقاعدون العسكريّون، رفاقُ السلاح وحُرّاسُ العهد، بصادقِ الدعاء إلى اللهِ العليّ القدير، أن يحفظَ جلالةَ الملكِ عبدَ اللهِ الثاني ابنَ الحسينِ المعظَّم، ذُخراً وسنداً للوطن، وأن يُلبسه ثوبَ الصحّةِ والعافية، ويكلأه بعينِ رعايته التي لا تنام، وأن يمدّه بنور الحكمة، وصلابة الموقف، وبصيرة القائد ، وأن يحفظَ جلالةَ الملكةِ رانيا العبدِ الله، شريكةَ العطاء، وضميرَ الإنسانيّة، وأن يحفظَ وليَّ العهد، سموَّ الأميرِ الحسين بن عبدِ الله الثاني، كما يتضرّعون إلى اللهِ أن يحفظَ الأردنَّ العزيز، آمناً مطمئنّاً، عصيّاً على كلّ طامع، ثابتاً على الحقّ، عاليَ الراية، مرفوعَ الهامة، وكل عام وقائد الوطن بألف خير .